*بقلم الدكتور علي أحمد أكاديمي وباحث سياسي*
قبل الدخول في تفاصيل اتفاق الاطار الذي وقعته السلطة بالأمس، من المفيد أن نتذكر تجربة عاشها لبنان قبل أكثر من أربعين عاماً.
عام 1983 بدأت المفاوضات التي انتهت إلى اتفاق 17 أيار. *من يقرأ محاضر تلك المرحلة يلاحظ أن المسار يتطابق بشكل حتى في تفاصيل النقاشات: رعاية أميركية، تفاوض مباشر مع العدو، وعود بالاستقرار، وضغط متواصل لتقديم تنازلات تحت عناوين حماية الدولة وبسط سيادتها و….*
حتى الخطاب الإعلامي يبدو كأنه نسخة مكررة. لو أجرينا تحليل خطاب للمواقف التي احتفلت باتفاق 17 أيار يومها، وقارنّاها بالمواقف التي تحتفل اليوم بما يسمى “اتفاق الإطار”، سنجد تطابقاً واضحاً في المفردات والحجج وطريقة تقديم التنازل على أنه إنجاز وطني. اللغة نفسها تقريباً: *إنقاذ لبنان، تثبيت السيادة، فتح باب الاستقرار، وإخراج البلد من الحرب*.
في ذلك الوقت اعتقد أصحاب الاتفاق أنهم افتتحوا مرحلة جديدة. لكن الأحداث أخذت لبنان إلى مكان آخر. جاءت انتفاضة 6 شباط، فسقط اتفاق 17 أيار، ثم جاءت التسوية من بوابة اتفاق الطائف، وكانت نتائجه السياسية على حساب الفريق الذي وقّع اتفاقية 17 أيار. لذلك تستحق التجربة أن تُقرأ جيداً قبل الاحتفال بأي اتفاق جديد.
*اتفاق أميركي بتوقيع السلطة اللبنانية*
اتفاق الإطار اليوم هو إعادة صياغة للتفاهم الذي أعلنته الخارجية الأميركية في نيسان الماضي. الفارق الوحيد أن السلطة اللبنانية قررت هذه المرة إعطاءه غطاءً رسمياً.
ردة الفعل الإسرائيلية تكفي لفهم طبيعة الاتفاق. نتنياهو اعتبره إنجازاً، ومسؤولون في حكومته قالوا بوضوح إن الاتفاق يمثل مكسباً لـ”إسرائيل” في مواجهة إيران. عندما يعتبر الطرف المقابل أنه حقق إنجازاً، فمن الطبيعي أن نسأل: ماذا أخذ؟ وماذا قدم لبنان؟
*ماذا حققت “إسرائيل”؟*
حصلت “إسرائيل” على اعتراف واضح بالكيان الصهيوني، وعلى اعتراف عملي بها كشريك في رسم الترتيبات الأمنية، وربطت أي انسحاب من لبنان بنزع سلاح المقاومة، من دون أي التزام واضح بإنهاء الاحتلال أو جدول زمني للانسحاب. كما احتفظت بحق تنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان، والإبقاء على المنطقة الأمنية، ومنع عودة سكان عدد من القرى، فيما بقي قرار نجاح أي مرحلة أو فشلها بيدها وحدها.
هذا الاتفاق يمنح نتنياهو أيضاً إنجازاً سياسياً يحتاج إليه بعد الحرب، ويتيح له القول إن ما تحقق في لبنان جاء نتيجة تفاوض مباشر مع السلطة اللبنانية، لا نتيجة الضغوط التي فرضتها إيران في مفاوضاتها مع واشنطن.
لكن هذه الرواية لا تغيّر الوقائع. إيران ما زالت داخل المعادلة، وهي التي فرضت إدراج لبنان في مذكرة التفاهم مع الأميركيين، وربطت أي اتفاق نهائي بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي. لذلك يبقى مستقبل الجنوب جزءاً من التفاوض الأميركي الإيراني، مهما حاولت “إسرائيل” إظهار الأمر بصورة مختلفة، وما لم ينجح طوال الأشهر الماضية لن ينجح اليوم بمجرد توقيع ورقة جديدة.
*إعادة الإعمار… أين السيادة؟*
من أخطر بنود الاتفاق ما يتعلق بإعادة الإعمار. فالنص يمنع تمويل إعادة الإعمار ويخضعه للشروط والآليات التي يفرضها الاتفاق. وهذا يعني أن “إسرائيل” لم تعد تكتفي بالتحكم بالحرب والانسحاب، بل أصبحت شريكاً في تقرير من يحق له تمويل إعادة إعمار القرى والمنازل اللبنانية.
تخيّل أن تأتي مؤسسات خيرية، أو جهات مانحة، أو أموال شرعية من الخمس والزكوات والمراجع الدينية لإعادة إعمار ما دمّره العدوان، فتُمنع لأن الاتفاق لا يسمح بذلك. حتى لو أرادت الدولة اللبنانية تنظيم هذا الملف، فهذا قرار سيادي يعود إليها وحدها، لا للاحتلال. فكيف يمكن الحديث عن السيادة، فيما يملك العدو حق التدخل حتى في قرار إعادة إعمار القرى اللبنانية؟
*ماذا بعد؟*
السؤال الحقيقي ليس: ماذا حقق هذا الاتفاق اليوم؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا سيُنتج غداً؟
إذا كانت المقاومة ما زالت قوية، وإيران ما زالت حاضرة في أي تسوية، وموازين القوى معروفة، فما معنى كل هذه التنازلات؟ ومن سيدفع ثمنها عندما تبدأ مرحلة إعادة رسم التوازنات؟
في لبنان، الاتفاقات لا تُقاس بما يُقال عنها يوم توقيعها، بل بما تنتهي إليه بعدها. لذلك، يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه أنصار هذا الاتفاق قبل غيرهم: *عندما تأتي التسوية المقبلة… من سيدفع ثمنها؟*





